مولي محمد صالح المازندراني
35
شرح أصول الكافي
باب كيف أجابوا وهم ذر * الأصل 1 - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : كيف أجابوا وهم ذرّ ؟ قال : جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه ، يعني في الميثاق . * الشرح قوله : ( جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه ) « ما » موصولة والعائد محذوف أي أجابوه به والمراد به القوة الاستعدادية للنفس الناطقة القابلة ( 1 )
--> 1 - قوله « والمراد به القوة الاستعدادية للنفس الناطقة » قال العلامة المجلسي ( قدس سره ) أعلم أن آيات الميثاق والأخبار الواردة في ذلك يقصر عنه عقول أكثر الخلق وللناس فيها مسالك : الأول طريقة المحدثين والمتورعين ، فأنهم يقولون نؤمن بظاهرها ولا نخوض فيها ولا نطرق فيها التوجيه والتأويل ، والثاني حملها على الاستعارة والمجاز والتمثيل ، والثالث حملها على أخذ الميثاق في عالم التكليف بعد إكمال العقل بالبرهان والدليل إنتهى . وهو مشتبه المراد لا أدرى مقصود ( قدس سره ) إلاّ أن المسلك الثالث يشير إلى ما أختاره المفيد والسيد المرتضى والطبرسي وجماعة من أعاظم الطائفة في تفسير آية « وإذ أخذ لك من بني آدم من ظهورهم آه » وأما كلام الشارح فمعناه معلوم لنا ونشير إليه إن شاء الله ببيان أوضح . ثم أن الاستصعاب والاشكال في هذه الأخبار على ما أتعقله أنها تستلزم الجبر وليس غيرها من الشبه مما يعتد به وطريقة المحدثين والمتورعين ما ذكره المجلسي ( قدس سره ) إن كان بعد القطع ببطلان الجبر كما هو مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) لزم عدم ايمانهم بظاهر هذه الأخبار ، فإن ظاهرها الجبر والظلم فلا معنى لقوله ( رضي الله عنه ) نؤمن بظاهرها فلا محيض عن تأويلها وإن أراد والايمان بظاهرها وان لزم الجبر فهو انكار لسائر الأحاديث والأخبار ، وأما الحمل على الاستعارة والمجاز فلم يبين ( رضي الله عنه ) أن أي لفظ استعارة عن أي معنى ، يحتمل أن يراد به ما ذكره الشارح أو ما ذركه المفيد عليه الرحمة ، وبالجملة ما يدل من الروايات على الجبر فالوجه طرحه أو تأويله ولكن ليس جميعها كذلك فمنها ما لا يستفاد منه إلا علمه تعالى بحال عباده ومع قطع النظر عن شبهة الجبر فلا أرى في المعنى المتفق عليه بين أخبار الميثاق والذر شبهة يصعب حلها مثل ما رووا عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) « لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة من ذريته إلى يوم القيامة » وما روى فيها معنى معقول لا استحالة له أصلا بل ليس من الغرائب أيضاً فإن رؤية الأنبياء بعض ما سيأتي بعدهم في ما يرون من الغيوب أمر معتاد . وقد رأى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بني أمية في صورة القردة ينزون على منبره يرجعون بالناس القهقرى ، فإن قيل هذا كان نوماً قلنا يتفق للأنبياءِ أن يروا يقظة من الغيوب مثل ما يرى في المنام ، قال المفيد ( رضي الله عنه ) في بعض كلامه فانبأه الله يعني أنبأ الله آدم بما يكون من ولده وشبههم بالذر الذي أخرجهم من ظهره وجعله علامة على كثرة ولده انتهى . وكذلك لا يبعد تمثيلهم بغير صورتهم في الرؤيا وكون بعضهم نورانياً وبعضهم ظلمانياً لأن الرواية دلت على أن آدم رأى على بعضهم نوراً لا ظلمة فيه وعلى بعضهم ظلمة لا نور فيه ولا يوجب هذا جبراً كما لا يوجب رؤية نبينا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بني أمية يرجعون بالناس القهقرى جبراً ، وأما آية « وإذ أخذ وبك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى » فحمله على مفاد أحاديث الذر خلاف ظاهر الآية بل صريحها وإن كان حديث الذر معقولا صحيحاً فإنه عالي قال « من بني آم من ظهورهم » ولم يقل من آدم من ظهره ، ومعنى الآية أن الله تعالى يخلق تدريجاً في كل زمان من ظهور الآباء أبناءهم ويعطيهم من العقل والإدراك ما يلتفت به إلى وجوده ، فإن الجنين إذا بلغ مبلغاً يدرك نفسه وخرج عن رتبة النباتية إلى الحيوانية وله عقل هيولاني في اصطلاح الحكماءِ جعله الله مستعداً لا ينظر في آثار صنعه ويعرف الصانع صدق عليه قوله تعالى « أشهدهم على أنفسهم » فالحق مع المفيد والسيد المرتضى ومن تبعهما في تفسير الآية . وههنا اشكالات أخرى ذكرها الفخر الرازي في تفسير وهي تشبه أحاديث المجانين يتعجب من صدورها من مثله لا نطيل الكلام بنقلها ولعلنا نشير إليه في موضع آخر أليق إن شاء الله تعالى . ( ش )